ابن رشد
85
الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة
يستطيع الادعاء بأن النصوص الدينية خالية مما يفيد أن الإنسان مسير ، محكوم " بقضاء وقدر " ؟ ذلك ما كان يعيه ابن رشد تمام الوعي ، فهو مطلع على العلم في عصره مدرك لحدوده ، وهو يحفظ القرآن ويستحضره بتلقائية كبيرة ، وبالتالي فهو لا يستطيع أن يبعد من ساحة تفكيره تلك الآيات الكثيرة التي تؤكد أن " لا فاعل إلا الله " . كما أنه يستحضر بنفس التلقائية فكرة " الطبيعة " في الفلسفة والعلم اليونانيين . إن النظام والترتيب الذين يسودان الكون ، وفكرة " الكون " نفسها في التصور اليوناني ، يكبحان كل ميل إلى الاعتقاد في أن الإنسان حر مختار . هنا أيضا نجد الشريعة ( الدين ) والحكمة ( الفلسفة والعلم ) على وفاق : فيهما ما يثبت للإنسان الحرية والاختيار ، وفيهما ما يسلبهما عنه سلبا . وهكذا ، يقول ابن رشد : " إذا تؤملت دلائل السمع في ذلك وجدت متعارضة وكذلك حجج العقول " ( ف : 285 ) . ذلك أن هناك آيات كثيرة تفيد أن الإنسان مخير يفعل ما يشاء ، وأخرى تفيد أنه مسير مجبور على ما يفعل ( ف 287 : - 290 ) . و " حجج العقول " كذلك تقضي بأن المسؤولية والجزاء والثواب والعقاب تتطلب أن يكون الإنسان يفعل بحرية واختيار ، وهذا ما ذهب إليه المعتزلة . غير أن قوما رأوا أن ذلك يتعارض مع القول بإرادة الله المطلقة وفعله المطلق ، ولذلك سلبوا الإنسان الحرية والإرادة وهم المجبرة ( ف : 291 ) . أما الأشعري فقد أراد أن يقف موقفا وسطا فقال بما أسماه الكسب . ومعناه عنده أن الإنسان إذا أراد شيئا خلق الله فيه القدرة على فعله ، وهو يكسب جزاءه وتبعته . وهكذا يكون الفعل خلقا من الله - وفاقا مع مبدأ : لا فاعل إلا الله - وكسبا من الإنسان ، وبالتالي يحاسب عليه . وهذا في نظر ابن رشد مفهوم غامض لا معنى له ، " لأنه إذا كان الاكتساب والمكتسب مخلوقان لله سبحانه فالعبد ولا بد مجبور على اكتسابه " ( ف : 291 ) . يلتمس فيلسوف قرطبة حلا لهذه المسألة من داخل السببية لا من خارجها . وخلاصة فكرته أن الله خلق لنا قوى نقدر بها أن نكتسب أشياء هي أضداد . لكن لما كان الاكتساب لتلك الأشياء ليس يتم لنا إلا بمواتاة الأسباب التي سخرها الله لنا من خارج ، وزوال العوائق عنها ، كانت الأفعال المنسوبة إلينا تتم بالأمرين جميعا ، يعني بمواتاة : - القوى الداخلية المخلوقة فينا وهي تابعة لنظام السببية في أبداننا .